TEXTS IN ARABIC

أحلام التحرير

فلسطين التاريخية

 

محمد بكري

ممثل وفنان مسرحي

مخرج فيلم "جنين جنين"

 

لقد نشأت على قيم التحرر، وأن علينا جميعاً أن نكون ثوار، ففي الخامسة عشرة من عمري، كنت أحلم بالذهاب إلى لبنان سيراً على الأقدام لأصبح مقاتلاً، وقبل وصولي، بينما كنت في البرية، هاجمني نمر، فقتله وسحبته ورائي وواصلت طريقي، فهذا النمر سيكون تذكرتي للانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية، سأكون بطلاً، فماذا تريدون أكثر من ذلك؟ لقد قتلت نمراً!

وحدث فعلاً أنني ذهبت إلى لبنان، عازمًا على قتل النمر، في طريقي كي أصبح ثورياً، ولكن مع حلول الليل واسوداد الظلام، شعرت بالخوف، فتخيلت مكان الوحوش والضباع وتواجد النمر ايضاً، وهنا قررت العودة إلى المنزل.

كل هذه أحلام لطفل أراد أن يكون ثورياً ولكنه لم يتحلى بالشجاعة اللازمة لقتل النمر، لذلك بقيت هذه الاحداث مجرد حلم، رغم انه كان لدي هاجس لعله سبب دخولي عالم السينما والمسرح، لأن هناك إمكانية لتحقيق أحلام التحرير، من خلال الكفاح الثقافي لا المسلح.

خلال اجتياح مخيم جنين، كنت ممثلاً على خشبة المسرح في الناصرة عندما بدأت الأخبار تنتشر عن مذبحة في مخيم جنين، بالفعل كنا نسمع القصف على جنين ونحن في المسرح بالناصرة، لذلك قررنا إيقاف المسرحية.

وذهبت مع زميلتي فالنتينا إلى المظاهرة، حيث هناك وبعيون غاضبة أخرج عجوز اسرائيلي يرتدي زي الجيش سلاحاً آلياً وبدأ باطلاق النار علينا، واصيبت زميلتي في يدها حيث كانت تقف الى جانبي، هذه هي المرة الأولى في حياتي التي اكون جزءً من هذا المشهد، وارى هذه الكمية الكبيرة من الدماء، وصرت افكر في مدى الكراهية ضدنا التي تمثلت في هؤلاء الذي يرتدون بزاتهم العسكرية، ونحن نقف بسلام، فماذا سيحصل اذاً مع اولئك الذي يقومون بشراسة اجتياح الجيش الاسرائيلي لجنين ومخيمها؟!

لم انتظر طويلاً، فاستأجرت سيارة جيب وكاميرا وجهاز صوت، وتسللت عبر الجبال قاطعاً المناطق الأمنية المغلقة ومررت خلف قوافل الجيش والعسكر ومشيت حتى وصلت الى جنين، ووجدت حجم الدمار فيها، فاصبت بالشلل وارتجف جسدي ولم اعرف ماذا يمكن أن افعل، ثم تمكنت من السيطرة على أعصابي ومكثت في جنين لمدة 5 ايام متتالية اصور خلالها كل ما تقع عيني عليه بشكل عفوي وبقدراتي المحدودة، فسرت في شوارعها وقمت بالالتقاء باشخاص صادفتهم بالطرق.

وكان النتاج فيلمي الوثائقي الأول "جنين جنين"، والذي منذ تقديمه تعرضت للعديد من الاحتجاجات الى جانب رسائل الانتقام والترهيب مع تكثيف محاولات إسكاتي، لتجعلني نموذجاً وعبرة لمن يعتبر ولكل من تسول له نفسه التفكير بابتكار عمل ينتقد فيه اسرائيل، لكن رفضت وتمردت فاستمرت المحاكمات والملاحقات القضائية على مدار 20 عام، منذ سنة 2002 حتى الآن. أنا اتعب ومتعب من نفس القصص والادعاءات، حتى العام 2021؛ حيث تم تغريمي بمبلغ 55 ألف دولار على تهمة التشهير بضابط في الجيش الاسرائيلي ممن شاركوا في اجتياح مخيم جنين، وبعدها أمر القاضي الاسرائيلي بمنع عرض فيلمي بشكل نهائي.

فكما يروض الحصان، تحاول اسرائيل ترويض كل فلسطيني لا يتبع خطهم ... هذا هو سبب خوفهم من الخيال، واليوم، ما زلت أروي قصتي لأنني لا أرى أي حل آخر ، ولا أرى أي طريقة أخرى للتعامل مع روايتي سوى توصيلها إلى العالم.

حلمي هو أن أحكي عن فلسطين العظيمة، عن حياتي وحياتنا ... لكن في الوقت الحالي، دعوني سأذهب لأدخن.

القدس

 

سهيل خوري

ملحن موسيقي

المدير العام لمعهد ادوارد سعيد الوطني للموسيقى

 

يمارس الناس الفنون في كل جزء من حياتهم، في ملابسهم ، وطعامهم ، وأدواتهم ، وحتى موتهم ... يغني الناس وهم يحصدون الحقول، ويقطفون الزيتون ، ويصطادون سمك البحر، يمارسه الراعي وهو يرعى خرافه.

في كل صراع ، يلعب الفن دور، ويعبر عن موقف، حيث يتولى الفنانون والكتاب والشعراء زمام المبادرة، ففي بداية الانتفاضة الأولى، لم يهتم الإسرائيليون بالموسيقى الثورية ... لكن بعد ذلك، وكما قرروا تحطيم أيدي الأطفال الذين رشقوا الحجارة، فقد قرروا منع الأغاني الوطنية بجميع أشكالها أيضاً.

ذات يوم ، كنت في طريق عودتي من الاستوديو وكان بحوزتي سراً حوالي 6000 شريط من الموسيقى والاغاني الممنوعة،.

وكان الجنود يراقبونني منذ فترة طويلة ونصب الجيش كمينًا خاصًا على الطريق. والذي كان مهولاً كما لو انه اعد  للقبض على زعيم ثوري ... اعتقلوني كأنني إرهابي بحوزته سلاح، ثم تم نقلي إلى السجن حيث بدأوا تحقيقهم:

من كتب الأغاني؟

من قام بتأليفها؟

من يوزعها؟

ومن الذي ينتجها؟

تعرضت لتعذيب نفسي وجسدي شديد، عذبوني بطريقة  الهز "الخلاط"، حيث كان المحقق كبيرًا وقويًا، ويمسك بي بقوة من كتفي ويهزني بقوة لفترة طويلة جداً، حتى بدأت أشعر أن كل عضو داخل جسدي يهتز ويختلط كما لو كنت أحتضر، كما استخدموا معي طريقة الشبح، حيث وضعت على كرسي بدون ظهر ورجلاي ممدودتان، والتي خلالها قام أحد المحققين بوضع قدمه على اعضائي التناسلية ومحقق آخر يضغط على صدري باستمرار، حيث عانيت من آلام شديدة باجباري على الجلوس بزاوية محاولاً الا اسقط للخلف، رغم ذلك وخلال فترة التعذيب تلك، بدأت في تأليف مجموعة من الألحان الموسيقية في ذهني.

وبحلول اليوم الـ12 فقد وصل التعذيب الى درجة لا تحتمل من العنف حتى شعرت بأنني اصبحت مخدر وبالتالي فقد اصبح التحقيق معي بلا جدوى لذا اوقفوه، كنت اشعر في تلك اللحظة بشعورين متناقضين الأول هو الاحساس بالارهاق الشديد والخوف بسبب اعتقادي بأنني على وشك الموت بسبب العنف، اما الثاني فهو الفخر بالنصر حيث انني اخيراً انتصرت على المحققين، وبهذا فإن اللحن الموسيقي الذي ألفته في نهاية مرحلة التعذيب كان عبارة عن مقطوعة انتصار فيها تناقض، هذه النوتة الموسيقية لم يكن بأمكاني كتابتها الا بعد 10 سنوات من تجربة التعذيب تلك، على اي حال فالمحكمة لم تجد قانوناً لإدانتي لذلك استخدموا تشريعاً قديماً من ايام الانتداب البريطاني واصدروا حكماً بالسجن لمدة 15 شهر بتهمة التحريض على العنف والثورة، وهذه تهمة مماثلة عاقبت بها بريطانيا الشاعر الفلسطيني نوح ابراهيم قبل 50 عام، وكررها الاحتلال الاسرائيلي بحق الكاتبة دارين طاطور في وقت لاحق.

قاوم يا شعبي ... قاومهم

الرينة - الناصرة

 

دارين طاطور

شاعرة وكاتبة ومصورة فوتوغرافية

 

دومًا كنت مدركة للشيء الذي أريد أن أكونه، أن أكون كاتبة.

أتذكر هوسي الشديد لمعرفة معاني الكلمات، غضبت مني المعلمة وقالت لي: "اذهبي واشترِ قاموسًا".

طلبت من جدتي أن تشتري لي قاموسًا، بدأت بقراءته حينها أبلغت المعلمة أنني باشرت بقراءته كرواية ضحكت.

مع تقدمي في العمر بدأت بتحويل كل ما تعلمته من جدتي عن تاريخنا إلى شعر سياسي.

حتى جاءت سنة 2015 وشاهدت مقتل عشرات الشبان الفلسطينيين بدم بارد.

اختطاف وتعذيب ثم قتل الطفل محمد أبو خضير على يد ثلاثة مستوطنين.

حرق الطفل علي دوابشة وعائلته من قبل المستوطنين.

قنص الشابة هديل الهشلمون على أحد حواجز التفتيش فقط لرفضها أن تخلع الحجاب عن رأسها.

شعرت أنني أختنق، بشاعة هذه الجرائم كانت تقتلني، تحطم روحي، شعرت بالذنب وقلة الحيلة كإنسانة.

كيف يحترق هؤلاء الأطفال أمام أعيننا ونحن نتابع بصمت؟

إنها وصمة عار على جبيننا.

لم أستطع فعل شيء للتعبير عن كمية الغضب الذي أعيشه، فكتبت قصيدة تدعو أبناء شعبي لمقاومة هذا العنف المجنون، ونشرتها على صفحتي على الفايسبوك، كانت صرخة الألم التي كنت أشعر بها

كانت الساعة الثالثة والنصف صباحًا عندما أغلقت خمس عربات مصفحة مداخل منزلي ودخل 40 جنديًا إلى المنزل.

تم اعتقالي واستجوابي وتم نقلي بين عدة مراكز للتحقيق ... حتى عائلتي لم تعرف أين أنا، كنت اغتسل وأرتدي نفس الملابس المبللة الرطبة التي اعتقلت بها، حتى قاموا بتفتيش حساباتي على وسائل التواصل الاجتماعي، وبعد 21 يوم قدموا قصيدتي كتهمة، وحكم عليّ بالسجن ... اتهموني بالتخطيط لتنفيذ عملية انتحارية وأنني أؤيد المنظمات الإرهابية.

كانت العقوبة 3 سنوات؛ أمضيت منها خمسة أشهر في السجن ، ثم أرسلوني لامضاء باقي المدة بالإقامة الجبرية في منزل في مستوطنة، لاحظ التناقض. زعموا أنني أنوي قتلهم ووضعوني بينهم.

بعد عامين وستة أشهر وثمانية عشر يومًا أطلق سراحي من الإقامة الجبرية.

كل ما أرادوه منذ البداية هو أن أكسر وأعتذر وهذا ما لم أعطه لهم ... اعتذر عن ماذا؟

فبعد انتهاء هذه العقوبة حاول المستوطنون قتلي ثلاث مرات. تلقيت العديد من رسائل التهديد العنصرية، شعرت باستمرار في خطر، ولم أتمكن من العمل أو الدراسة أو نشر كتبي، فإذا نشرت أو أديت قصيدتي، سأعود إلى السجن، لذا حاولت أن أفتح أبوابًا جديدة، لكنني لم أستطع فغادرت إلى السويد في منحة لمدة عامين لفنانين تحت التهديد. هنا يمكنني مواصلة معركتي من خلال المقاومة الثقافية.

لحظة وتسعة صواريخ

مركز المسحال الثقافي

غزة

 

علي ابو ياسين

ممثل وكاتب ومخرج ،

مؤسس مشارك لمؤسسة سعيد المسحال للثقافة والعلوم

 

في ذلك اليوم كان من المفترض أن نعرض مسرحية على خشبة مسرح سعيد المسحال في غزة ... عرضنا المسرحي كان يضم 14 فتاة، وكانت المسرحية ستتحدث عن حقوق الفتاة الفلسطينية.

وفجأة ، جاءنا اتصال من مكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في قطاع غزة، وأمرنا بإلغاء العرض سريعاً دون إبداء أي أسباب.

وبالفعل أوقفنا البروفات والتدريبات المسرحية وعدنا جميعاً الى بيوتنا وتأكدنا من عودة جميع فريق العمل الى منازلهم ... كانت هذه هي المرة الأولى التي أؤجل فيها أحد العروض.

عدت إلى المنزل ، وبدأ الإسرائيليون بقصف غزة بصواريخ هزت المدينة.

كانت القنابل تسقط بالقرب من المسرح. كنت أخشى أن يتضرر مركزنا الثقافي، كنت قلقاً من تحطم الزجاج، او حدوث بعثرة وفوضى في ديكور المسرحية.

لم اتمالك نفسي فارتديت ملابسي وخرجت مسرعاً ... سرت في شارع طوله 200 متر، في اجواء سوداء تماماً ومليئة بالدخان والغبار، اجواء اكثر قتامة من عتمة الليل نفسه، لم اتمكن حتى من رؤية اصابعي وسط هذا الظلام الدامس.

ومع اقترابي، بدأت تتضح الرؤية، لقد تم تدمير المسرح تدميراً كاملاً ... لم يبقى منه شيء ... اختفت ملامح المكان، وتلاشى المركز الثقافي عن الوجود واصبح حفرة ... تحول مبنى مركز سعيد المسحال للثقافة والفنون والمؤلف من 6 طوابق الى حفرة كبيرة من طابقين تحت الأرض.

كيف يكون ذلك؟ كيف حدث هذا؟

تصميمتي المسرحية والازياء التي قمت بابتكارها بجهد ... آمالي واحلامي وارهاقي كله ينهار في ثانية واحدة ...

أقف هناك على اطلال مسرح المسحال، والأفكار تتلاطم في رأسي كأمواج البحر، والحزن يأكل قلبي، كما لو كان باختفاء الديكور ضياع كامل للفرح

مرت وجوه الشباب الذين دربتهم أمامي ، ضحك الأطفال الذي كان يجلجل المكان

حتى هذه اللحظة ، لا أصدق أن المسرح اختفى مع أربعة عشر عامًا من عملنا في لحظة وتسعة صواريخ.

أصبح مسرحنا شعلة مسرحية في غزة، لذا قاموا بإغلاقه.

ومنذ القصف قدمنا ​​عدة عروض على الانقاض.

المسرح جزء منا، ونحن كفنانين نواصل عملنا سواء كان هناك مبنى او لا يوجد

سنقوم بعمل مسرح فوق شجرة ، على سطح البحر، او حتى من تحت الماء ...

لقد خلقنا فنانين ، وسنبقى فنانين.